شهدت أسعار الذهب في الأسواق الدولية خلال الساعات الماضية تراجعا ملحوظا، متأثرة بقوة الدولار الأمريكي وتزايد توقعات المستثمرين بشأن احتمال استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سياسة التشديد النقدي قبل نهاية السنة، وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول مدى سرعة انتقال هذه التحولات العالمية إلى أسعار الذهب والمجوهرات داخل السوق المغربية.
وبحسب المعطيات المتداولة في الأسواق الدولية، تراجع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.7 في المائة، ليستقر في حدود 4347.96 دولارا للأوقية، في وقت سجلت فيه العقود الأمريكية الآجلة للذهب انخفاضا أكبر نسبيا بلغ حوالي 0.9 في المائة، لتصل إلى 4385.70 دولارا للأوقية.
ورغم هذا التراجع الخارجي، لم تسجل أسعار الذهب في محلات المجوهرات بالمغرب انخفاضا مماثلا بالوتيرة نفسها، إذ لا يزال تأثير حركة الأسواق العالمية على الأسعار المحلية محدودا إلى حد الآن، بالنظر إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بتكاليف التزود وهوامش السوق الداخلية.
وفي هذا السياق، أوضح إدريس الهزاز، رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، أن السوق الوطنية تعرف في المرحلة الحالية نوعا من التوازن النسبي، مشيرا إلى أن أسعار الذهب في السوق الدولية تتحرك في مستويات تتراوح تقريبا بين 4350 و4500 دولار للأوقية.
وبحسب المهني ذاته، فإن السوق المغربية تظل مرتبطة بشكل مباشر بتطورات البورصات العالمية، وبالتالي فإن أي صعود أو هبوط كبير في سعر المعدن الأصفر دوليا تكون له انعكاسات على السوق المحلية، وإن لم تظهر بالضرورة بشكل فوري وبالنسبة نفسها.
وأوضح الهزاز أن احتساب السعر النهائي للذهب في المغرب لا يرتبط فقط بالسعر المسجل في السوق الدولية، بل تدخل فيه أيضا تكاليف إضافية مرتبطة بالحصول على المعدن ونقله وتداوله داخل السوق، وهو ما يجعل السعر المحلي يتضمن زيادة تتراوح، وفق معطياته، بين 100 و120 درهما مقارنة بالسعر الدولي.
أما بالنسبة إلى الأسعار المتداولة حاليا داخل محلات المجوهرات، فأشار رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين إلى أن سعر غرام الذهب من عيار 18 قيراطا يدور في حدود 1050 درهما، وهو مستوى أقل بشكل واضح مقارنة بالفترة التي بلغ فيها السعر مستويات قياسية قاربت 1420 درهما للغرام.
ويعكس هذا التراجع تحولا في اتجاهات الأسواق العالمية مقارنة بالفترات التي شهد فيها الذهب ارتفاعات قوية، وسط تغير في اختيارات المستثمرين وتحرك جزء من رؤوس الأموال نحو قطاعات وأصول أخرى.وربط الهزاز انخفاض الذهب من مستوياته المرتفعة السابقة بتوجه جزء من المستثمرين في الأسواق الدولية نحو قطاع المحروقات، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط التصاعدي الذي كان يعرفه المعدن الأصفر خلال مراحل سابقة.
غير أن تراجع الأسعار، بحسب المتحدث نفسه، لا يعني بالضرورة حدوث انخفاض مماثل في الطلب العالمي على الذهب، إذ لا يزال المعدن الأصفر يحظى باهتمام عدد من الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين.ويأتي في مقدمة هؤلاء عدد من البنوك المركزية التي تواصل اقتناء الذهب ضمن احتياطياتها، إضافة إلى استمرار استعمال المعدن في عدد من المجالات الصناعية والتكنولوجية، فضلا عن الطلب التقليدي المرتبط بصناعة الحلي والمجوهرات.
وفي السوق المغربية، لا تتحدد حركة مبيعات الذهب فقط بناء على تطورات الأسعار العالمية، إذ تؤثر القدرة الشرائية والمناسبات الاجتماعية والمصاريف الموسمية بشكل مباشر على مستوى الإقبال داخل محلات المجوهرات.
وفي هذا الصدد، سجل المهنيون خلال فصل الصيف تراجعا في وتيرة شراء الذهب مقارنة بما كان معتادا في فترات سابقة، وفق ما أوضحه الهزاز.وأرجع رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين هذا التراجع إلى تزامن الفترة مع مجموعة من النفقات التي تتحملها الأسر المغربية، إذ انشغل جزء من المواطنين في مرحلة أولى بمصاريف عيد الأضحى، قبل أن تتوجه ميزانيات أسر أخرى خلال فصل الصيف نحو السفر والعطلة.
وأدى هذا التحول في أولويات الإنفاق، بحسب المهني ذاته، إلى تراجع الأموال المخصصة لاقتناء الحلي والمجوهرات، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حجم الرواج داخل عدد من متاجر الذهب.
ويبدو أن هذا السلوك الاستهلاكي لا يقتصر على المقيمين داخل المغرب، إذ سجل المهنيون أيضا تغيرا في عادات الشراء لدى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.وكان مغاربة العالم، خلال سنوات سابقة، يشكلون إحدى الفئات التي تساهم بشكل لافت في تحريك سوق المجوهرات خلال فترة عودتهم الصيفية إلى المملكة، حيث كان اقتناء الذهب والحلي جزءا من مشتريات عدد كبير منهم.
غير أن هذه العادات بدأت تعرف تغيرات تدريجية، وفق المهنيين، مع اتجاه جزء من الأسر والأفراد إلى تخصيص ميزانياتهم لاحتياجات وأولويات مختلفة، ما أدى إلى تراجع الإقبال التقليدي على متاجر الذهب.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى السوق المغربية أمام معادلة تتداخل فيها عدة عناصر؛ في مقدمتها السعر الدولي للأوقية، وقيمة الدولار، وتكاليف الحصول على الذهب محليا، إضافة إلى مستوى الطلب والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وبالتالي، فإن أي انخفاض يسجل في البورصات العالمية لا يعني بالضرورة أن المستهلك المغربي سيلاحظ تراجعا فوريا وبالنسبة نفسها داخل متاجر المجوهرات، إذ يحتاج انتقال تغير الأسعار إلى السوق المحلية إلى مراعاة مجموعة من التكاليف والعوامل التجارية.
وتظل أنظار المهنيين والمستهلكين خلال الفترة المقبلة موجهة نحو تحركات الذهب في الأسواق الدولية، خاصة في ظل استمرار تأثير قرارات السياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار وتحركات المستثمرين العالميين على سعر المعدن الأصفر.
وفي الوقت الراهن، يبقى سعر غرام الذهب من عيار 18 قيراطا في السوق المغربية في حدود 1050 درهما وفق المعطيات التي قدمها المهنيون، فيما ستظل التحولات المقبلة في الأسعار مرتبطة أساسا باتجاه السوق الدولية ومدى انعكاسها على تكلفة الذهب المتداول داخل المملكة.
